ابن الجوزي

36

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

فلما عزم على المسير ، قال بعض أصحابه : إن قتلة الحسين بالكوفة عمر بن سعد ورؤس القبائل ، فأنّى نذهب . وقال آخرون : بل نقصد ابن زياد فهو الَّذي عبى الجنود إليه فإن ظهرنا عليه كان من بعده أهون شوكة ، وكان عمر بن سعد في تلك الأيام لا يبيت إلا في قصر الإمارة مخافة على نفسه ، وجاء عبيد الله بن يزيد والي الكوفة إلى سليمان فقال : قم حتى نبعث معك جيشا كثيفا ، فلم يقم وأدلج عشية الجمعة لخمس مضين من ربيع الآخر سنة خمس وستين ، ولم يزل يسير إلى أن أتى قبر الحسين عليه السلام ، فأقام عنده يوما وليلة ، فجعل أصحابه يبكون ويتمنون لو أصيبوا معه ، وجعلوا يستغيثون : يا رب إنّا خذلنا ابن بنت نبيك فاغفر لنا ما مضى منا وتب علينا . ووصل كتاب عبد الله بن يزيد إلى سليمان بن صرد ، وفيه : هذا كتاب ناصح محب ، بلغني أنكم تسيرون بالعدد القليل إلى الجمع الكثير ، وأنه من يرد أن ينقل الجبال عن مراتبها تكل معاوله ، وينزع [ وهو ] مذموم العقل والفعل ، ومتى أصابكم عدوكم طمع في من وراءكم : * ( إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ في مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً 18 : 20 ) * [ 1 ] . يا قوم ، إن أيدينا وأيديكم واحدة ، ومتى اجتمعت كلمتنا [ نظهر ] [ 2 ] على عدونا . فلما قرأ الكتاب على أصحابه ، قال : ما ترون ؟ قالوا : إنّا قد أبينا هذا عليهم ونحن في مصرنا ، فالآن حين دنونا من أرض العدو ، ما هذا برأي . فساروا مجدين إلى أن وصلوا عين وردة ، فأقاموا بها خمسا ، فأقبل أهل الشام في عساكرهم ، فقدم المسيب بن نجية فلقي أوائل القوم فأصابهم بالجراح فانهزموا فأخذوا منهم ما خفّ ، فبلغ الخبر ابن زياد ، / فبعث الحصين بن نمير مسرعا في اثني عشر ألفا ، فاقتتلوا فكان الظفر لسليمان إلى أن حجز بينهم الليل فأمدهم ابن زياد بذي الكلاع في ثمانية آلاف فكثروهم ، فنزل سليمان ونادى : عباد الله ، من أراد البكور إلى ربه ، والتوبة من ذنبه ، والوفاء بعهده ، فإليّ ، ثم كسر جفن سيفه ، ونزل ناس كثير ، فقاتلوا فقتلوا من أهل الشام مقتلة عظيمة .

--> [ 1 ] سورة : الكهف ، الآية : 20 . [ 2 ] ما بين المعقوفتين : من هامش الأصل .